وجوه ديما رعد المفجوعة والمتجرّئة هل هي دائمًا “في الصفّ”؟

معرض ديما رعد faces in a row في “غاليري كاف”، الأشرفيّة، وجوهٌ تلو وجوهٍ، هل تلتئم نظراتها وصرخاتها المرئيّة والمحجوبة، المسموعة والمكبوتة، في بحثها المضني والمتعب والمرهق عن مراياهها المتشظّية، حيثما كان، في خضمّ ما تعانيه وتعيشه من تمزّقات وشروخ؟ وهل يكون من الصعب أنْ تعثر هذه الوجوه على انسجامٍ تشكيليٍّ، على سكينةٍ مفعمة، متوهّجة، أو مضطربة، أكان ذلك في الواقع أم على سطح اللوحة أم في فضاءاتها المتاهيّة.

قد يقول زائرٌ ما إنّ الجرأة النزقة المتسرّعة (هل هي متهوّرة؟!) التي تنبئ بها بعض هذه الوجوه، ربّما توحي بأنّ الأعمال قد تكون مشغولةً ومنجزةً في أوقاتٍ وأمزجةٍ وأحوالٍ متفاوتة، نفسيًّا وتقنيًّا. وقد يقول زائرٌ آخر إنّ الأعمال ناجمةٌ، من حيث خصوصيّاتها ومراتبها الرجراجة، عن قصديّةٍ تشكيليّةٍ واعية، تهدف إلى إلقاء الضوء على الخفايا اللّامرئيّة التي تستعر في باطن اليد حين ترسم، وحين تختار الألوان، وحين تضرب الضربات العشوائيّة الفالتة. هذه اليد ليست منفصلةً عن لاوعيها الدفين، لكنْ يجب أنْ يُشار إلى أنّ مثل هذه الانطباعات المتضادّة والمتنافرة تومئ إلى أنّ اللوحات إذا كانت تنمّ عن مخاضاتٍ واصطراعاتٍ وتبعثراتٍ، فذلك لا يجعلها بالضرورة في “صفٍّ واحدٍ”، على المستوى التشكيليّ والجماليّ، أو على سويّةٍ واحدة. 

فلأقل إنّ المنصّة التشكيليّة لدى ديما رعد هي وجه الإنسان، بهيمنته الكبيرة على أرجاء اللوحة. إنّه وجهُ بمقاسٍ كبير، في غالبية الأعمال، منفلت وغير مضبوط أحيانًا. أيكون هذا الحجم، وهذا الانفلات، مقصودَين كي يؤثّر هذا الوجه فينا، كي يخضّنا، ولِمَ لا كي يستولي علينا، أو يلتهمنا، أو يغتالنا بحضوره الدراميّ، المفجع والعنيف!؟ فلأقل أيضًا إنّ هذا الانسان، إنّ هذا الوجه في اللوحة، هو اللوحة، وهو حافزٌ تحريضيٌّ، يستفزّ المتلقّي، ويدعوه الى دخول هذا العالم، عالم ديما رعد، حيث لا مفرّ من الاستخلاص أنّ هناك عملًا أو أكثر يلوح خلفه طيف الرسّام المصريّ الكبير عادل السيوي، ولكن بحلّةٍ (هل أقول رديئة؟)، وأنّ هناك عملًا آخر يتخلّى عن الوجه – المدخل، فيستقلّ بالسطح كمنحى تجريديٍّ حرّ.

يجب أن أقول إنّ ديما رعد جريئة ومقدامة، وهي لا تخاف الانفعال، ولا الكشف عن مطبخ المخاضات المتدفّقة النزقة، ولا الانغماس في متعرّجات الخطّ واللون، وتداخلهما، كما هي لا تخشى التعبير الحرّ الذي لا بدّ أنْ يفضي في بعض الأعمال إلى “السقوط الحرّ”، وهي الحال التي تنتهي إليها بعض لوحات المعرض. في حالٍ كهذه، يبدو منجز الرسّامة الفنّيّ لا يفضي إلى رصد، أو إلى تعقّب لغةٍ متماسكةٍ، وإنجازها، من أجل أنْ تذهب بها إلى خواتيمها. سيجد الزائر أعمالًا قليلة، صغيرة الحجم، تنطوي على نبرةٍ متفرّدة، لكنّها وحيدة، يتيمة. ليت الرسّامة عطفت على هذه الأعمال، وأولتها اهتمامًا أكبر، وجعلت تجربتها تغوص في هذا البحر، لتستكشف أسراره. وإذ يتّضح أنّ ديما رعد ترتمي في التصويريّة والتعبير التجريديّ، ولا تتهيّب السرعة، فإنّ حركتها لا بدّ أنْ تشكّل تعبيرًا مضافًا، إذا عرفت كيف تطوّرها وتذهب بها إلى أقصاها، بحيث يتخفّف نشاطها من الحمولات التي تثقل ولا تفضي إلى مكان. هذا معرضٌ للنقاش والمساءلة

Related Posts

قتلى البَرّ والبحر

هؤلاء الذين ركبوا زورق الموت، في طرابلس، كانوا على يقينٍ من أنّ البرّ (لبنان الرسميّ) قد لَفَظَهم (قَتَلَهم) إلى غير رجوع. وأنّ الأرض لم تعد أرضهم، ولا الأزقّة أزقّتهم، ولا بساتين الليمون بساتينهم، ولا السماء العارية سماءهم. كان البحر لهم مجرّد احتمالٍ ضعيفٍ، كمثل الضعف الذي كان يعتري ضوء حياتهم الشحيح

Read More

معرض إيرين غانم في “غاليري كاف”: الغنائيّة التعبيريّة تغنّي على ليلاها

تعيد الرسّامة إيرين غانم تشكيل المشهد على طريقتها الفنّيّة الخاصّة، عاقدةً العزم على توشيح ما تعيشه وما تراه وما تتفاعل معه من مناظر ومعطيات وكائنات حياتيّة ونباتيّة ومكانيّة، بالألوان والضربات والإيقاعات، التي تجد فيها مبتغاها النفسيّ والبصريّ والفنّيّ على السواء.

Read More